الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
462
نفحات الولاية
وأخيراً اختتم الإمام عليه السلام هذا القسم ببيان ثلاث رذائل أخلاقيّة ذميمة للمنافقين فقال : « انْ سَأَلُوا أَلْحَفُوا « 1 » ، وإِنْ عَذَلُوا « 2 » كَشَفُوا ، وإِنْ حَكَمُوا أَسْرَفُوا » . إنّ حاجة الناس لبعضها البعض ممّا لا يمكن إنكاره وقد توجب هذه الحاجة أحياناً أن يلجأ أحد للآخر لمساعدته في حلّ مشكلته ، إلّاأنّ الإلحاح عمل قبيح ، فذلك الطرف المقابل ربّما لا يريد أو يتعذر عليه القيام بذلك العمل أو قبول ذلك الطلب فيشعر بحالة من الخجل والانزعاج من ذلك الإلحاح . قال القرآن الكريم في بيان صفة المؤمن حين الحاجة : « لَايَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً » « 3 » إلّاأنّ المنافقين يريدون نيل أهدافهم وإن أخذ الطرف المقابل حياءً واضطر للعمل خلاف رغبته وميله ؛ وكذلك إن إرادوا نصح شخص وأمره بالمعروف كما يزعمون ذهبوا بماء وجهه وسط الآخرين ، بينما صرحت التعاليم الإسلاميّة بأنّ هذا العمل ينبغي أن يتمّ بمنتهى الدقّة واللطافة ؛ بما يحفظ ماء وجه المسلم ولا يكدره ويجعله يعيش حالة من الحزن والغم . وتشير العبارة : « وإِنْ حَكَمُوا أَسْرَفُوا » إلى أنّ المنافقين إن بلغوا منصباً فإنّهم ليس فقط لا يؤدّون حقّ ذلك المنصب ، بل يسلكون طريق الاسراف فيغضبون اللَّه والناس لضمان مصالحهم اللامشروعة ، قال القرآن الكريم بشأن بعض المنافقين : « وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَايُحِبُّ الْفَسَادَ » « 4 » . ويحتمل أن يكون المراد من قوله « إنْ حَكَمُوا » أنّهم إن تصدّوا للحكم في مسألة معينة فإنّ حكمهم لا يستند إلى العدل قط وأنّهم ينتهكون حدود العدل والقسط ، ولا مانع من الجمع بين التفسيرين .
--> ( 1 ) . « ألحفوا » من « الحاف » بمعنى الإصرار والإلحاح في الطلب . ( 2 ) . « عذلوا » من « عذل » على وزن « هزل » بمعنى لاموا . ( 3 ) . سورة البقرة ، الآية 273 . ( 4 ) . سورة البقرة ، الآية 205 . والتفسير فوق أحد تفاسير هذه الآية .